فصل: نقض الصحيفة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ أبي الفداء (نسخة منقحة)



.أول من أسلم من الناس:

لا خلاف في أن خديجة أول من أسلم، واختلف فيمن أسلم بعدها، فذكر صاحب السيرة وكثير من أهل العلم، أن أول الناس إسلاماً بعدها، علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعمره تسع سنين، وقيل عشر سنين، وقيل إحدى عشرة سنة، وكان في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل الإسلام، وذلك أن قريشاً أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب كثير العيال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه العباس: «إن أخاك أبا طالب كثير العيال، فانطلق لنأخذ من بنيه ما يخفف عنه به» فأتيا أبا طالب وقالا: نريد أن نخفف عنك، فقال أبو طالب: اتركا لي عقيلاً واصنعا ما شئتما، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً، فضمه إليه، وأخذ العباس جعفراً، فلم يزل علي مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله نبياً، فصدقه علي، ولم يزل جعفر مع العباس حتى أسلم، من شعر علي في سبقه:
سبقتكم إلى الإسلام طراً ** غلاماً ما بلغت أوان حلمي

وذكر صاحب السيرة، أن الذي أسلم بعد علي زيد بن حارثة، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، اشتراه وأعتقه، ثم أسلم بعد زيد أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، وهو عبد اللّه بن أبي قحافة، واسم أبي قحافة عثمان، وذهب آخرون إلى أن أول الناس إسلاماً أبو بكر، ثم أسلم بعد أبي بكر عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وكان إسلامهم بأن دعاهم أبو بكر إلى الإسلام، وجاء بهمٍ إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فآمنوا به وصدقوه، رضي الله عنهم، فهؤلاء أول الناس إيماناً، ثم أسلم أبو عبيدة، واسمه عامر بن عبد الله بن الجراح، وعبيدة بن الحارث، وسعيد بن زيد بن عمرو، وابن نفيل بن عبد العزى، وهو ابن عم عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر.
وكانت دعوة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام سراً ثلاث سنين، ثم بعدها أمر الله رسوله بإظهار الدعوة، ولما نزل: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] دعا النبي صلى الله عليه وسلم علياً فقال: «اصنع لنا صاعاً من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واملا لنا عساً من لبن، واجمع لي بني المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به». ففعل ما أمره ودعاهم، وهم أربعون رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصونه، فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس، وأحضر علي الطعام فأكلوا حتى شبعوا. قال علي: لقد كان الرجل الواحد منهم ليأكل جميع ما شبعوا كلهم منه، فلما فرغوا من الأكل، وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتكلم، بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: أشد ما سحركم صاحبكم، فتفرق القوم، ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: «يا علي قد رأيت كيف سبقني هذا الرجل إلى الكلام فاصنع لنا في غد كما صنعت اليوم، واجمعهم ثانياً» فصنع علي في الغد كذلك، فلما أكلوا وشربوا اللبن، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أعلم إنساناً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم» فأحجم القوم جميعاً. قال علي: فقلت وإني لأحدثهم سناً، وأرمصهم عيناً، وأعظمهم بطناً وأحمشهم ساقاً وأنا يا نبي الله أكون وزيرك عليهم. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برقبة علي وقال: «إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا»، فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك، وتطيع، واستمر النبي صلى الله عليه وسلم على ما أمره الله، ولم يبعد عنه قومه في أول الأمر، ولم يردوا عليه حتى عاب آلهتهم، ونسب قومه وآباءهم إلى الكفر والضلال، فأجمعوا على عداوته، إلا من عصمه اللّه بالإسلام، وذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب، فجاء رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب، منهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد مناف، وأبو سفيان بن أمية بن عبد شمس، وأبو البختري بن هشام ابن الحارث بن أسد، والأسود بن المطلب بن أسد، وأبو جهل بن هشام بن المغيرة، والوليد بن المغيرة المخزومي عم أبي جهل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان، والعاص بن وائل السهمي، وهو أبو عمرو بن العاص فقالوا: يا أبا طالب إنّ ابن أخيك قد عاب ديننا وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا فانْهه عنا، أو خلّ بيننا وبينه، فردهم أبو طالب رداً حسناً، واستمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على مَا هو عليه، فعظم عليهم، وأتوا أبا طالب ثانياً وقالوا له ما قالوه أولاً. وقالوا: إن لم تنهه وإلا نازلناك وإياه حتى يهلك أحد الفريقين، فعظم على أبي طالب ذلك، وقال لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم: يا ابن أخي، إنَّ قومك قالوا إلي كذا وكذا، فظن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن عمه خاذله، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «واللّه يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، ما تركت هذا الأمر»، ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى وقام، فولى، فناداه أبو طالب أقبل يا ابن أخي وقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبداً، فأخذت كل قبيلة تعذب من أسلم منها، ومنع الله رسوله بعمه أبي طالب.

.إسلام حمزة رضي الله عنه:

كان النبي صلى الله عليه وسلم عند الصفا، فمر به أبو جهل بن هشام، فشتم النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يكلمه صلى الله عليه وسلم، وكان حمزة في القنص، فلما حضر أنبأته مولاة لعبد اللّه بن جدعان بشتم أبي جهل لابن أخيه محمد صلى الله عليه وسلم، فغضب حمزة وقصد البيت ليطوف به وهو متوشح قوسه، فوجد ابن هشام قاعداً مع جماعة، فضربه حمزة بالقوس فضجه، ثم قال: أتشتم محمداً وأنا على دينه؟ فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل دعوه فإني سببت ابن أخيه سباً قبيحاً، وتم حمزة على إسلامه، وعلمت قريش أن رسول اَلله صلى الله عليه وسلم قد عز وامتنع بإسلام حمزة.

.إسلام عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى:

وكان شديد البأس والعداوة للنبي صلى الله عليه وسلم، فروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب، أو بأبي الحكم بن هشام» وهو أبو جهل، فهدى الله تعالى عمر، وكان قد أخذ سيفه وقصد قتل النبي صلى الله عليه وسلم، فلقيه نعيم بن عبد الله النحام، فقال: ما تريد يا عمر: فأخبره، فقال له نعيم: لأن فعلت ذلك لن يتركك بنو عبد مناف تمشي على الأرض، ولكن اردع أختك وابن عمك سعيد بن زيد وخباب، فإنهم قد أسلموا، فقصدهم عمر وهم يتلون سورة طه من صحيفة، فسمع شيئاً منها، فلما علموا به أخفوا الصحيفة وسكتوا، فسألهم عما سمعه فأنكروه، فضرب أخته فشجهما وقال: أريني ما كنتم تقرؤونه، وكان عمر قارئاً كاتباً، فخافت أخته على الصحيفة وقالت: تعدمها، فأعطاها العهد على أنَه يردها إليها، فدفعتها إليه وقال: ما أحسن هذا وأكرمه، فطمعت في إسلامه، وكان خباب قد استخفى منه، فلما سمع ذلك خرج إليه، فسألهم عمر عن موضع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: هو بدار عند الصفا، وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هناك، وعنده قريب أربعين نفساً، ما بين رجال ونساء، منهم حمزة وأبو بكر الصديق وعلي ابن أبي طالب، فقصدهم عمر وهو متوشح بسيفه، فاستأذن في الدخول، فأذن له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فلما دخل نهض إليه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وأخذ بمجمع ردائه، وجبذه جبذة شديدة وقال: «ما جاء بك يا ابن الخطاب، أو ما تزال حتى تنزل بك القارعة؟» فقال عمر: يا رسول الله جئت لأؤمن باللّه وبرسوله، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتم إسلام عمر.

.الهجرة الأولى:

وهي هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة، ولما اشتد إيذاء قريش لأصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، أذن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، لمن ليس له عشيرة تحميه، في الهجرة إلى أرض الحبشة، فأول من خرج اثنا عشر رجلاً، وأربع نسوة، منهم عثمان بن عفان ومعه زوجة رقيه بنت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، والزبير بن العوام، وعثمان بن مظعون، وعبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، وركبوا البحر وتوجهوا إلى النجاشي، وأقاموا عنده، ثم خرج جعفر بن أبي طالب مهاجراً، وتتابع المسلمون أولاً فأولاً، فكان جميع من هاجر من المسلمين إلى أرض الحبشة ثلاثة وثمانين رجلاً، وثماني عشرة نسوة سوى الصغار، ومن ولد بها، فأرسلت قريش في طلبهم عبد الله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص، وأرسلوا معهما هدية من الأدم إلى النجاشي، فوصلا وطلبا من النجاشي المهاجرين، فلم يجبهما النجاشي. وقال عمرو بن العاص: سلهم عما يقولون في عيسى، فسألهم النجاشي فقالوا ما قاله الله تعالى من أنه كلمة الله ألقاها إلى مريم العذراء، فلم ينكر النجاشي ذلك. فأقام المهاجرون في جوار النجاشي آمنين، ورجع عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة خائبين، بعد أن ردّ النجاشي عليهما الهدية.
ولما رأت قريش ذلك وأن الإسلام قد جعل يفشو في القبائل، تعاهدوا على بني هاشم وبني المطلب، أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، وكتبوا بذلك صحيفة وتركوها في جوف الكعبة توكيداً على أنفسهم، وانحازت بنو هاشم، كافرهم ومسلمهم إلى أبي طالب، ودخلوا معه في شعبه، وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب إلى قريش مظاهراً لهم، وكانت امرأته أم جميل بنت حرب، وهي أخت أبي سفيان، على رأيه في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي التي سماها الله تعالى: حمالة الحطب، لأنها كانت تحمل الشوك، فتضعه في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقامت بنو هاشم في الشعب، ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحو ثلاث سنين، وبلغ المهاجرين الذين في الحبشة أن أهل مكة أسلموا، فقدم منهم ثلاثة وثلاثون رجلا، ولما قربوا من مكة، لم يجدوا ذلك صحيحاً، فلم يدخل أحد منهم مكة إلا متخفياً، وكان من الذين قدموا عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعثمان بن مظعون.

.نقض الصحيفة:

روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي طالب: «يا عم إن ربي سلط الأرضة على صحيفة قريش، فلم تدع فيها غير أسماء الله، ونفت منها الظلم والقطيعة». فخرج أبو طالب إلى قريش وأعلمهم بذلك وقال: إن كان ذلك صحيحاً، فانتهوا عن قطيعتنا، وإن كان كذباً دفعت إليكم ابن أخي، فرضوا بذلك، ثم نظروا فإذا الأمر كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزادهم ذلك شراً، فاتفق جماعة من قريش ونقضوا ما تعاهدوا عليه في الصحيفة، من قطيعة بني المطلب.

.الإسراء:

ذكر صاحب السيرة أن الإسراء كان قبل موت أبي طالب، وذكر ابن الجوزي، أنه كان بعد موت أبي طالب، في سنة اثنتي عشرة للنبوة، واختلف فيه فقيل: كان ليلة السبت، لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، في السنة الثالثة عشرة للنبوة، وقيل كان في ربيع الأول، وقيل: كان في رجب، وقد اختلف أهل العلم فيه، هل كان بجسده أم كان رؤيا صادقة، فالذي عليه الجمهور أنه كان بجسده، وذهب آخرون إلى أنه كان رؤيا صادقة، ورووا عن عائشة رضي الله عنها أنفاً كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الله أسرى بروحه، ونقلوا عن معاوية أيضاً أنه كان يقول: إنّ الإسراء كان رؤيا صادقة، ومنهم من جعل الإسراء إلى بيت المقدس جسدانياً، ومنه إلى السموات السبع وسدرة المنتهى روحانياً.

.وفاة أبي طالب:

توفي في شوال، سنة عشر من النبوة، ولما اشتد مرضه، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عم قلها استحل لك بها الشفاعة يوم القيامة» يعني الشهادة. فقال له أبو طالب يا ابن أخي لولا مخافة السبة، وأن تظن قريش إنما قلتها جزعاً من الموت لقلتها، فلما تقارب من أبي طالب الموت، جعل يحرك شفتيه، فأصغى إليه العباس بأذنه، وقال: واللّه يا ابن أخي لقد قال الكلمة التي أمرته أن يقولها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله الذي هداك يا عم». هكذا روي عن ابن عباس، والمشهور أنه مات كافراً، ومن شعر أبي طالب مما يدل على أنه كان مصدقاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:
ودعوتني وعلمتْ أنك صادق ** ولقد صدقت وكنت ثم أمينا

ولقد علمت بأن دين محمد ** من خير أديان البرية دينا

والله لن يصلوا إليك بجمعهم ** حتى أوسد في التراب دفينا

وكان عمر أبي طالب بضعاً وثمانين سنة.

.وفاة خديجة رضي الله عنها:

ثم توفيت خديجة بعد أبي طالب، وكان موتهما قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين. وتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بموتهما المصائب، ونالت منه قريش، خصوصاً أبو لهب بن عبد المطلب، والحكم بن العاص، وعقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية، فإنهم كانوا جيران النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤذونه بما يلقون عليه وقت صلاته، وفي طعامه من القاذورات.

.سفره صلى الله عليه وسلم إلى الطائف:

ولما نالت قريش من رسول الله بعد وفاة عمه، سافر إلى الطائف يتلمس من ثقيف النصرة، ورجاء أن يقبلوا ما جاء به من الله، فوصل إلى الطائف، وعمد إلى جماعة من أشراف ثقيف، مثل مسعود وحبيب ابني عمرو، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله وقال له واحد منهم: أما وجد الله أحداً يرسله غيرك، وقال الآخر: والله لا أكلمك أبداً، لأنك إن كنت رسولاً من الله كما تقول، لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله فما ينبغي لي أن أكلمك، فقام رسول الله من عندهم، وقد يئس من خير ثقيف، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، وألجئوه إلى حائط، ورجع عنه سفهاء ثقيف فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، على من تكلني إن لم تكن علي غضباناً فلا أبالي» ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، وقومه أشد مما كانوا عليه من خلافه.

.عرض رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل:

كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل في مواسم الحج، ويدعوهم إلى الله، فيقول: «يا بني فلان إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وأن تخلعوا ما يعبد من دونه، وأن تؤمنوا بي وتصدقوني».
وعمه أبو لهب ينادي إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه، وكان أبو لهب أحول له غديرتان.

.ابتداء أمر الأنصار رضي اللّه عنهم:

ولما أراد الله تعالى إظهار أمر دينه، وإعزاز نبيه، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في موسم يعرض نفسه على القبائل كما كان يصنع، فبينما هو عند العقبة، إذ لقي نفراً من الخزرج، من أهل مدينة يثرب، وأهلها قبيلتان، الأوس والخزرج، يجمعهم أب واحد، وهم يمانيون، وبين القبيلتين حروب، وهم حلف قبيلتين من اليهود يقال لهما قريظة والنضير من نسل هارون بن عمران، فعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام عليهم، وتلى عليهم القرآن، وكانوا ستة رجال فآمنوا به وصدقوه ثم انصرفوا إلى يثرب، وذكروا ذلك لقومهم ودعوهم إلى الإسلام، حتى فشا فيهم فلم تبق دار إلا وفيها ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

.بيعة العقبة الأولى:

ولما كان العام المقبل، وافى الموسم اثنا عشر رجلاً من الأنصار، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة النساء، وذلك قبل أن يفرض عليهم الحرب، وبيعة النساء هي المبايعة على أن لا يشركوا بالله شيئاً، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، فبعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار ليعلمهم شرائع الإسلام والقرآن. ولما قدم مصعب المدينة، دخل به أسعد بن زرارة وهو أحد الستة الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة حائطاً من حوائطم بني ظفر، وكان سعد ابن معاذ سيد الأوس، ابن خالة أسعد بن زرارة، وكان أسيد بن حصين أيضاً سيداً، فأخذ أسيد بن حصين حربته ووقف على مصعب وأسعد، وقال: ما جاء بكما تسفهان ضعفاءنا اعتزلا إنْ كان لكما بأنفسكما حاجة، فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فجلس أسيد وأسمعه مصعب القرآن، وعرّفه الإسلام، فقال سيد: ما أحسن هذا، كيف تصنعون إذا أردتم الدخول في هذا الدين، فعلمه مصعب، فأسلم وقال: ورائي رجل إن اتبعكما، لم يتخلف عنه أحد، وسأرسله إليكما، يعني سعد بن معاذ، ثم أخذ أسيد حربته وانصرف إلى سعد بن معاذ، وبعث به إلى مصعب وأسعد، فلما أقبل قال أسعد لمصعب: جاءك والله سيد من ورائه، فلما وقف عليهما سعد بن معاذ تهدد أسعد وقال: لولا قرابتك مني ما صبرت على أن تغشانا في دارنا بما نكره، فقال له مصعب: أو ما تسمع، فإن رضيت أمراً قبلته، وإلا عزلنا عنك ما تكره، فقال: أنصفت. فعرض مصعب عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآنَ. قال فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم. ثم قال: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم؟ فعرفاه ذلك فأسلم وانصرف إلى النادي، حتى وقف عليه ومعه أسيد بن حصين، فلما رآه قومه مقبلاً، قالوا نحلف بالله لقد رجع سعد بغير الوجه الذي ذهب به، فقال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا سيدنا وأفضلنا. قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام، حتى تؤمنوا بالله ورسوله، فما أمسى في دار بني عبد الأشهل أحد حتى أسلم، ونزل سعد بن معاذ ومصعب في دار أسعد بن زرارة يدعون الناس إلى الإسلام، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وبّها مسلمون، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد.